تتصاعد في بيروت التحذيرات من تداعيات أي حضور عسكري إيراني على الأراضي اللبنانية، في وقت تتجه فيه الدولة إلى تشديد موقفها من كل ما تعتبره نشاطًا أمنيًا أو عسكريًا خارج إطار الدولة، وسط مخاوف متنامية من أن يؤدي ذلك إلى تعريض البلاد لمزيد من الاستهداف وزعزعة الاستقرار الداخلي.

وأعلنت الحكومة اللبنانية هذا الشهر منع أي نشاط للحرس الثوري الإيراني على الأراضي اللبنانية، مع تكليف الجهات المختصة بالتحقق مما إذا كان هناك عناصر نشطة تابعة له داخل البلاد، داعية إلى التدخل “بحزم وفورًا” لمنع أي نشاط أمني أو عسكري.

كما قررت الحكومة إعادة العمل بتأشيرات الدخول للإيرانيين، ضمن إجراءات قالت إنها تهدف إلى ضبط الحدود ومنع استخدام لبنان في أنشطة تمس الأمن.

ويأتي هذا القرار في سياق أوسع من تأكيد السلطة اللبنانية أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصريًا بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية.

وكان رئيس الوزراء نواف سلام قد قال إن لبنان يرفض أن يُسحب إلى الصراع الإقليمي، مؤكدًا أن البلاد يجب ألا تبقى “ساحة للنزاعات والصراعات الإقليمية”، وهي لغة تعكس توجهًا رسميًا متشددًا حيال أي دور مسلح خارج إطار الدولة.

وتزايدت حساسية هذا الملف مع انتقال المواجهة إلى قلب بيروت. فقد قالت إسرائيل إنها استهدفت في الأيام الأخيرة قادة من فيلق القدس التابع للحرس الثوري في العاصمة اللبنانية، كما وجهت تحذيرًا إلى من وصفتهم بممثلي الحكومة الإيرانية في لبنان بمغادرة البلاد فورًا، وإلا تعرضوا للاستهداف.

وفي أعقاب ذلك، غادر أكثر من 150 إيرانيًا، بينهم دبلوماسيون وأفراد من عائلاتهم، بيروت، وفق مصدر أمني لبناني كبير تحدث إلى رويترز.

في المقابل، نفى المسؤول في حزب الله محمود قماطي وجود أي قوات عسكرية إيرانية داخل لبنان، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي شن غارات على مناطق واسعة من البلاد.

وبحسب رويترز، جاءت هذه التطورات في لحظة تتعرض فيها الحكومة لضغوط داخلية وخارجية لحصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي اللبنانية في حسابات إقليمية أوسع.

وأسفرت الضربات الإسرائيلية، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، عن مئات القتلى وعشرات الآلاف من النازحين، بينما قُدّر عدد النازحين بأكثر من 759 ألفًا حتى 10 مارس/آذار.

وتتعزز داخل الأوساط الرسمية اللبنانية القناعة بأن أي ارتباط عسكري مباشر بمحاور خارجية يجعل البلاد أكثر عرضة للاستهداف، ويضعف قدرة الدولة على حماية الاستقرار الداخلي.

ولم يعد النقاش في بيروت اليوم محصورًا في العلاقة بين الدولة وحزب الله، بل تمدد إلى كل حضور أجنبي مسلح أو شبه مسلح يمكن أن يحول لبنان إلى ساحة رسائل متبادلة بين قوى إقليمية.

وفي ظل استمرار الحرب واتساع بنك الأهداف، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تحاول تثبيت معادلة سياسية وأمنية جديدة، أساسها أن السيادة لا تتجزأ، ولا تستقيم مع وجود قوى عسكرية تعمل خارج مؤسساتها، أيا كانت الجهة التي تنتمي إليها.